التحذير من الغش التجاري بـ (الوصف أوالحجم أو الوزن )

بقلم : كمال مرزوق الدوسري  

 

قال تعالى:﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ ، الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ، وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ، أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ، لِيَوْمٍ عَظِيمٍ، يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾[1] وقال جل شأنه:﴿ وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾[2]،وقال:﴿ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِالقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ﴾[3]


  " المجال المقصود لهذا الكون كله هو أن يسير على قانون ثابت ، هذا القانون الثابت يعبر الحق سبحانه وتعالى عنه بالميزان :﴿ وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ﴾[4] إذا رأيتم الأرض والسماء وجميع أجرام الكون منتضمة في سيرها بشيء من الدقة لا تتصادم ولا تتعارض، ولا يتأتى لها عطب فاعلموا أنها موضوعة في نظامها بميزان، فإن أردتم أن تستقر أمور حياتكم هذا الاستقرارالدقيق فخذوا ذلك الميزان ممن خلقكم، وما يجعل عالمكم يفسد هو أن تتركوا الميزان الذي وضعه لكم الله سبحانه وتعالى، ثم تضعوا من عندكم موازين بشريه :﴿ وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ﴾[5]  هذه واحدة، ﴿ أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ ﴾[6] وهذه هي الثانية، ﴿ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ ﴾[7] ..إذا أرتم أن تستقيم أموركم – حتى الاختيارية منها – كما استقام الكون كله في نظمه العليا فخذوا نظام الله وحكموه في حياتكم وأموركم.


ومن هنا جاءت هذه السورة لتؤكد أمر الميزان، والميزان هو الآلة التي عرفها  البشر أولاً في  تقرير استيفاء الحقوق وأداء الواجبات ، فكل شيء بميزان دقيق .


إذاً فالحق سبحانه وتعالى نقلنا نقلة من تأكيد الإيمان باليوم الآخر إلى شيء عملي في الحياة، هذا الشيء العملي يقرر مبدأ عاماً، فقد أخذ الحق سبحانه وتعالى مبدأ من المبادئ التي هي الأساس في قوام الحياة، لأن علم الإنسان في هذه الحياة محدود، وزمنه لتعليم الأشياء محدود، وحاجاته لا تنتهي، فمع علم محدود وزمن محدود يواجه حاجات لا تتناهى، فليس من الممكن أن يوجد إنسان يكون أمة وحده، يستطيع أن يقوم بكل زوايا حياته لنفسه، ولكن لا بد من أن يقوم بزاوية من زوايا حياته، ويصنع فيها شيئاً، ويترك للآخرين مجالاً ليصنعوا في زوايا حياته ما لا يعرفه هو .


وهذا هو مبدأ التكامل بين الناس، ومادام الناس متكاملين .. هذا يعطي هذا ما عجز عنه،  ثم يأخذ من الآخر ما عجز هو عنه، فكل واحد يأخذ زاوية من زوايا الحياة يتفوق فيها حسب موهبته وقدراته، ويؤدي مهمة لنفسه وللوجود من حوله، فإذا ما أدى الإنسان ذلك كان هناك وسيلة للتبادل، هذا التبادل ينشأ من وجود منتج ينتج أكثر من شيء، فيأخذ حاجته، ويرد ما زاد على حاجته على من لم ينتج أصلاً  .


إذن فعملية التكامل لا يمكن أن تتأتى إلا بالتبادل، هذا التبادل هو أن يصبح كل إنسان منتجاً في زواية من زوايا الحياة، ينتج لنفسه ولغيره، والآخر هكذا، أنا آخذ من غيري ما لا أحسن عمله، وهو يأخذ مني ما لا يحسن عمله، وذلك يؤدي إلى التكامل في المجتمع، فهناك شيء اسمه الحق ، أنا آخذه ، وهناك شيء اسمه الواجب، ينبغي عليَّ أن أؤديه، والفيصل بين الحق والواجب هو أن توزن الأمور بموازين العدل والإنصاف .


إن مكونات الحياة – كما خلقها الله عزوجل – أن يطعم الله الناس من جوع، وأن يؤمنهم من خوف، فكل حركة الحياة للإطعام من الجوع وللأمن من الخوف، والأمن من الخوف قوام المعاني النفسية، والإطعام من الجوع قوام الحياة المادية .


﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ،الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ،وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ ﴾[8]

يستهل الحق سبحانه وتعالى هذه السورة بأداة من أدوات الاستيفاء، وعملية من عمليات أخذ الحقوق وأداء الواجبات، فيقول:﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ ، الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ، وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ ﴾[9]، فقد اختل عندهم ميزان الاستيفاء والأداء، فيجب أن يكون الميزان واحداً، ما تستوفي به يجب أن تؤدي به، أما أن تستوفي بالمعيار الواسع، وتؤدي بالمعيار الضيق فذلك هو الظلم الذي ينشأ عنه الفساد في المجتمع .


ففساد المجتمع ينشأ من حرص الناس جميعاً على أن يأخذوا حقوقهم كاملة غير منقوصة إن لم تكن زائدة، ثم حين يطلب منهم الواجب يؤدنه مطفوفاً، فلو أن كل إنسان حرص على أن يؤدي واجبه كما يحرص على أن يأخذ حقه لاستقامت أمور الدنيا، فالحق سبحانه وتعالى يعرض هذه السورة فيقول: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ ﴾ ..ثم بعد ذلك يشرح معنى المطففين فيقول: ﴿ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ،وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ ﴾[10] واستهل الحق سبحانه وتعالى السورة بكلمة : ﴿وَيْلٌ ﴾ وهي نهاية العذاب المؤلم من الهلاك والحزن " [11]


فهذه المسألة الخطيرة تمس الحياة الاقتصادية للناس وقد تناولها القرآن بشيء من الاهتمام البالغ و أكدها في مواضع كثيرة منها ما تقدم من الآيات، بل "حكى القرآن عن هلاك أمة من الأمم بسبب أنهم كانوا من أسوأ الناس معاملة، يبخسون المكيال   والميزان، ويطففون فيهما، يأخذون بالزائد ويدفعون بالناقص، وهم قوم شعيب ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ وَلاَ تَنقُصُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّيَ أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ،وَيَا قَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ، بَقِيَّةُ اللّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ ﴾[12] قال ابن عباس في قوله تعالى : ﴿ بَقِيَّةُ اللّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾[13] أي : من أخذ أموال الناس ، قال ابن جرير[14] : ما يفضل  لكم من الزرع، بعد وفاء الكيل والميزان، خير لكم من أخذ أموال الناس .. والمعنى الدال على أنهم أمة واحدة اشترك الجميع في التطفيف، وأهلكوا بأنواع العذاب"[15].



[1] - [سورة المطففين ، الآية :1- 6]

[2] - [ سورة الأنعام ، الآية  : 152 ]

[3] - [ سورة الأسراء ، الآية : 35 ]

[4] - [ سورة الرحمن ،  الآية : 7 ]

[5] - [ سورة الرحمن،  الآية  : 7 ]

[6] - [ سورة الرحمن،  الآية : 8 ]

[7] - [ سورة الرحمن، الآية  : 9 ]

[8] - [ سورة المطففين، الآية :1- 6]

[9] - [ سورة المطففين، الآية :1- 6]

[10] - [ سورة المطففين، الآية :1- 6]

[11] - الشعراوي، تفسير جزء عم، دار الراية للنشر والتوزيع 2008 م- 1429 هـ ،ص 200-202

[12] - [ سورة هود، الآية  : 84- 86 ]

[13] - [ سورة هود، الآية : 86 ]

[14] - أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن خالد، الطبري، وقيل يزيد بن كثير ابن غالب ؛صاحب التفسير الكبير والتاريخ الشهير،كان إماماً في فنون كثيرة منها التفسير والحديث والفقه والتاريخ وغير ذلك، وله مصنفات مليحة في فنون عديدة تدل على سعة علمه وغزارة فضله، وكان من الأئمة المجتهدين، لم يقلد أحداً، وكان أبو الفرج المعافى بن زكريا النهرواني المعروف بابن طرارا على مذهبه وكان ثقة في نقله، وتاريخه أصح التواريخ وأثبتها، وذكره الشيخ أبو اسحاق الشيرازي في "طبقات الفقهاء"في جملة المجتهدين، وكانت ولادته سنة أربع وعشرين ومائتين، بآمل طبرستان؛ وتوفي يوم السبت آخر النهار، ودفن يوم الأحد في داره، في السادس والعشرين من شوال سنة عشر وثلثمائة ببغداد، رحمه الله تعالى .

انظر : بن خلكان، أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر، وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان،تحقيق: الدكتور إحسان عباس ج4ص191-192،ط دار صادر – بيروت .

[15] - العسقلاني، شهاب الدين أحمد بن علي بن محمد بن علي بن محمود بن أحمد بن حجر بن أحمد، تحفة النبلاء قصص الأنبياء للإمام الحافظ ابن كثير ، انتخاب كاتبه  الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني ،  ضبط نصه وعلق عليه  غنيم بن عباس بن غنيم ، تقديم : د. السيد بن حسين العفاني ص246 ط1/ مكتبة الصحابة 1419هـ - 1998م الإمارات / الشارقة 


الايادي العليا