ضعف تأثير المؤسسات والأكاديميات الشرعية في الحياة التجارية

 

بقلم : كمال مرزوق الدوسري  

 

إنَّ منْ أهمِّ التحدياتِ التي تواجهُ الأمةَ الإسلاميةَ ومؤسساتِها الشرعيةَ، هو ضعفُ التأثيرِ الحضاريِّ، وعدمُ المشاركةِ الفعالةِ بمفرداتِ الحياةِ اليوميةِ للفردِ المسلمِ، وعدمُ تطبيقِ الشريعةِ في أنظمةِ أغلبِ الدولِ الإسلاميةِ، فضلاً عنْ عدمِ وجودِ رؤيةٍ ضمنَ استراتيجيةٍ مناسبةٍ لعلاجِ هذه التحدياتِ.

في كلِّ مناسبةٍ تبرزُ الأحداثُ عجزَ المؤسساتِ الأكاديميةِ الشرعيةِ في التعاملِ مع النوازلِ والحوداثِ المتجددةِ واقعاً، ولهذا الأمرِ أسبابُه :

الأولُ : ضعفُ الإيمانِ، والتعلقُ بالأسبابِ الماديةِ البحتةِ .

الثاني: ضعفُ البناءِ المؤسسيِّ لأكاديميّات البحثِ الشرعيِّ بحيث لا تستطيع أن تقدم حلول حقيقة للمجمتع .

فلا يمكنُ لأمةٍ تؤمنُ بقيمِ أمّةِ الإسلامِ لا تستطيعُ أنْ تصنعَ حضارةً، إلَّا أنْ تكونَ قدِ أختلتْ عندَها هاتانِ الخصلتانِ أو كلاهما ( الإيمانُ، أو الإعراضُ عن سننِ النجاحِ ) .

وإذا أخذْنا بعينِ الاعتبارِ أننا نتكلمُ عن سننٍ وقوانينِ أحكامِ البيوعِ الإسلاميةِ والتي نجحَ بها غيرُنا من العالمينَ!! فهذا يوجبُ علينا – نحنُ أهلَ هذا الدينِ - المساهمةَ في إعادةِ صياغةِ تقديمِ أحكامِ البيوعِ الإسلاميةِ كيْ تكونَ أمتُنا أمةً قويةً منتجةً قادرةً على المنافسةِ في الجانبِ الاقتصاديِّ والحضاريِّ .

 
ولا تكادُ توجدُ أكاديميةٌ شرعيةٌ معنيةٌ بتطويرِ السوقِ التجاريِّ من الناحيةِ الشرعيةِ، مع كثرتِها إلَّا أَنَّ أغلبَ الأطروحاتِ المقدمةِ في الجانبِ الاقتصاديِّ هي نظريةٌ ما عدا تجربةَ المصارفِ الإسلاميةِ والتأمينِ الإسلاميِّ أو التعاونيِّ، وقد حققتْ هذهِ التجربةُ نجاحاتٍ رائعةً؛ وأصبحتْ البرامجُ التي تقدمُها منافسةً لمؤسساتٍ عريقةِ القِدمِ في هذا المجالِ، وهذا ممَّا يشجعُ المؤسساتِ الإكاديميةَ الشرعيةَ على تبني مشروعِ «برنامجِ الجودةِ بتطبيقِ أحكامِ البيوعِ الإسلاميةِ»، وممَّا لا شكَّ فيه أنَّ خيرَ منْ يقومُ بهذهِ المهمةِ هي المؤسساتُ الإكاديميةُ الشرعيةُ كونُها صاحبةَ التخصصِ في هذا المجالِ.

ولذا؛ ممَّا يترتبُ على مؤسساتِ البحثِ الإكاديميةِ إيجادُ الصيغةِ العصريةِ المناسبةِ لتتعاطى مع منهجِها الشرعيِّ بشكلٍ أكثرَ إيجابيةً ، ويتطلبُ تطبيقُ منهجيةِ إدارةِ الجودةِ الإسلاميةِ في أحكامِ البيوعِ توفرُ الرغبةِ اللازمةِ من إدارةِ المنظمةِ أو المؤسسةِ الراغبةِ بذلكَ، إذِ العمليةُ تجري وفقَ تغييرٍ ثقافيٍّ وتعديلٍ أجرائيٍّ وتوجيهٍ وأشرافٍ، ولا بدَّ قبلَ المضيِّ قدماً بوضعِ الدليلِ الأجرائي من تحديدِ شكلِ وضوابطِ المؤسسةِ الإكاديميةِ البحثيةِ القادرةِ على استيعابِ برنامجِ شهادةِ الجودةِ في أحكامِ البيوعِ .

واجباتُ المؤسسةِ الإكاديميةِ المعنيةِ بالشهادةِ :

أولاً : تقعيدُ الضوابطِ الشرعيةِ وصياغتُها بشكلِ معاييرِ جودةٍ ثابتةٍ : فالقاعدةُ كما يقول الإمام الجرجاني في كتاب التعريفات هي :« قضيةٌ كليةٌ من حيثُ اشتمالُها بالقوةِ على أحكامِ جزئياتِ موضوعِها » فلما نضعُ جزئياتِ التعاملاتِ الماليةِ المعاصرةِ ضمنَ أوصافِ أحكامِ البيوعِ والقواعدِ التي تقدمَ ذكرُها في المباحثِ السابقةِ نجدُ منَ السهولةِ الحكمَ عليها، بل فهمَها وتطبيقَها.

 وهذهِ الآليةُ تتطلبُ جهودَ أكاديمينَ وباحثينَ، فعلى الرَّغمِ منْ وجودِ بعضِ الدراساتِ التي أسهمتْ بشكلٍ نظريٍّ بربطِ بعضِ المصطلحاتِ الماليةِ المعاصرةِ بالمصطلحاتِ الفقهيةِ؛ إلا أنَّها لم تنتجْ نظامًا عمليًّا مؤثرًا بحياةِ المجتمعِ المسلمِ.

فمن الضروريِّ جداً لمؤسسةِ الجودةِ في أحكامِ البيوعِ أنْ تصدرَ المعاييرَ الفقهيةَ الخاصةَ بها بحسبِ قواعدِ البيوعِ الخمسةِ مثلاً، وتدرجُ تحتَ كلِّ قاعدةٍ جزئياتِها باسمائِها المتداولةِ في السوقِ، فمثلاً «معاييرُ جودةِ البيوعِ الإسلاميةِ في الأعيانِ المحرمةِ » تندرجُ تحتَها مثلاً : « الموادُّ الجلاتينيةُ المستخلصةُ من جلدٍ أو عظمٍ حيوانيٍّ محرمٍ شرعاً بكلِّ تفاصيلِها، كأنْ تكونَ أرقامًا أو رموزًا معرفةً كلَّها توضّحُ تفصيلياً »، وهكذا في كلِّ شاردةٍ واوردةٍ مستحدثةٍ، وتنشرُ على الموقعِ الرسميِّ للبرنامجِ، فالمعاييرُ الخاصةُ بحرمةِ العينِ جزيئاتٌ كثيرةٌ ومتجددةٌ لتشعُّبِ الصناعاتِ وتنوُّعِها؛ إلا أنَّه بهذا العصرِ لا يصعبُ جمعُها و حصرُها لتطورِ نظمِ المعلوماتيةِ وسرعتِها ودقتِها .

ثانياً : اعتمادُ معاييرَ منضبطةٍ: تلتزمُ هيئاتُ اعتمادِ الجودةِ الشرعيةِ في البيوعِ معاييرَ منضبطةً وفقَ آليةٍ محكومةٍ بقواعدَ للترجيحِ بينَ الأقوالِ الفقهيةِ المختلفةِ حتى يكونَ أداءُ مؤسسةِ الجودةِ الشرعيةِ في البيوعِ واضحًا وموافقًا للغايةِ التي أُنشئتْ من أجلِها الشهادةُ، ولكي تستطيعَ تقييمَ مخرجاتِها بشكلٍ عادلٍ ومتساوٍ مع جميعِ المؤسساتِ والشركاتِ والأنشطةِ التجاريةِ ، ونقترحُ هنا القواعدَ التاليةَ للترجيحِ : 

1-الأحكامُ المجمعِ عليها، يجبُ الالتزامُ بها في معاييرِ الجودةِ؛ كتحريمِ الخمرِ ولحمِ الحنزيرِ. 

2-الأحكامُ المختلفُ فيها وهي الأكثرُ فلها ثلاثُ حالاتٍ:

-أنْ يكونَ الخلافُ فيها ضعيفًا كأنْ يكونَ قولاً مهجوراً أو رأياً شاذاً أو غيرَ معمولٍ بهِ، فلا

عبرةَ فيهِ ، كالقولِ : «بعدمِ وجوبِ إخراجِ الزكاةِ في الأموالِ الورقيةِ » مثلاً !

 

-أنْ يكونَ الخلافُ بينَ الجمهورِ وأحدِ المذاهبِ المشهورةِ، فيعتبرُ بنسبةٍ أقلَّ منَ الأحكامِ المجمعِ عليها. 

-أنْ يكونَ الخلافُ شديدًا بينَ جماهيرِ العلماءِ من المتقدمينَ والمتأخرينَ، عندها يجبُ الاعتمادُ على ترجيحاتِ المجامعِ الفقهيةِ المعاصرةِ، لما قدْ يترتبُ عليهِ منْ أثرِ القَبولِ العامِّ، والنظرِ في المقاصدِ الشرعيةِ. 

3-الأحكامُ في المسائلِ المستحدثةِ تخضعُ لرأيِ المجامعِ الفقهيةِ المعتبرةِ .

هذهِ الآليةُ لا تعني مصادرةَ الاجتهادِ، أوْ حملَ الأمةِ على رأيٍ فقهيٍّ واحدٍ لكنْ في الأعمالِ المؤسسيةِ لا بدَّ أنْ تكونَ هناكَ قواعدُ للعملِ، فالاجتهادُ الجماعيُّ والعملُ المؤسسيُّ منْ أفضلِ الوسائلِ القادرةِ على إيجادِ الحلولِ من خلالِ تطبيقِ الأحكامِ الشرعيةِ بشكلٍ يتناسبُ مع متطلباتِ الواقعِ، والعملُ على تشجيعِ المجامعِ الفقهيةِ والاجتهادِ الجماعيِّ باعتمادِ قرارتِها كبرامجَ عمليةٍ على إيجادِ صيغةٍ تجميعيةٍ تجمعُ كلَّ المؤسساتِ الفقهيةِ المجمعيةِ في صورةِ اتحادٍ لتنسيقِ الجهودِ وتلافي أوجهِ القصورِ والنقصِ.

ثالثاً : إقامةُ دوراتِ رقابةٍ شرعيةٍ تحاكي موظفَ قياسِ الجودةِ : تأهيلُ الكادرِ الإكاديميِّ لاستخدامِ معاييرِ الجودةِ في أحكامِ البيوعِ بشكلٍ عمليٍّ، فمثلاً السؤالُ عنْ مطابقةِ المنتجِ للمواصفاتِ المعروضةِ حتى يخرجَ عن شبهةِ الغررِ المعروفِ بالاصطلاحِ الفقهيِّ يحتاجُ إلى أدواتٍ خارجةٍ عن التعريفِ الفقهيِّ النظريِّ، فنقترحُ هنا على سبيلِ المثالِ منْ ضمنِ الإجراءات اعتمادَ شهاداتٍ منْ جهاتٍ خارجية مهنية معروفةٍ بمصداقيتِها كشهادةِ ( التصنيعِ الحسنِ GMP ) في ماليزيا مثلاً، وهنا لا بدَّ من التأكيدِ على ضرورة ِالاستعانةِ بمدربي جودةٍ متخصصينَ .

فهل تتوقع في عالمنا اليوم هناك مؤسسة شرعية قادرة على رعاية مثل هذه المشاريع الجريئة التي تخدم أصحاب الإيادي العليا في المجتمع 

 

كتبه : كمال مرزوق الدوسري 



الايادي العليا