مِنْ شُؤْمِ السَّلْبِيَّةِ، وَالاِخْتِلَافُ وَالمُشَاجَرَةُ والمُلاَحاة

 

 تَرْكِيزُ اِهْتِمَامَاتِنَا فِي الأَشْيَاءِ السَّارَّةِ وَالإِيجَابِيَّةِ وَالمُفِيدَةِ مَهْمَا كَانَتْ ضَئِيلَةً؛ سَيُغَيِّرُ الكَثِيرَ مِنْ الأُمُورِ فِي حَيَاتِنَا خُصُوصًا عَلَى مُسْتَوَى الإِنْجَازِ فِي أَعْمَالِنَا اليَوْمِيَّةَ؛ بَيْنَمَا كُلَّمَا أَعْطِينَا وَقْتًا أَكْبَرَ لِلمَشَاكِلِ وَالأُمُورِ السَّلْبِيَّةِ كُلَّمَا اِزْدَادَ حَجْمُهَا فِي حَيَاتِنَا! 


  مِنْ الأُمُورِ الإِيجَابِيَّةِ السَّارَّةِ الَّتِي نَعِيشُهَا هَذِهِ الأَيَّامُ هِيَ العَشْرَ الأَوَاخِرُ مِنْ رَمَضَانَ لَهَا مَزَايَا تَفَضُّلِهَا عَلَى غَيْرِهَا مِنْ لَيَالِي العَامِ؛ وَذَلِكَ أَنَّهَا اللَّيَالِيَ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَيِّيَهَا كُلُّهَا بِالعِبَادَةِ، وَفِيهَا لَيْلَةُ القَدْرِ الَّتِي هِيَ "خَيْرٌ مِنْ أَلْفٍ شَهْرٌ"؛ بِمَعْنًى أَنَّهُ عِبَادَةٌ هَذِهِ اللَّيْلِيَّةُ مُمْكِنْ تَعَدَّلَ العُمْرُ كُلُّهُ!



   فَكَيْفَ لِعَاقِلٍ يُؤْمِنُ بِالقُرْانِ يَقِينَا وَيَسْمَعُ وَيَقْرَأُ هَذِهِ الآيَاتِ وَيُضَيِّعُ هَذِهِ الفُرْصَةَ؟!



   وَمِنْ شُؤْمِ السَّلْبِيَّةِ، وَالاِخْتِلَافُ وَالمُشَاجَرَةُ والمُلاَحاة، فَقَدْ رَفَعَتْ مَعْرِفَةُ لَيْلَةِ القَدْرِ بِسَبَبِ الشِّجَارِ، وَالمُخَاصَمَةُ، وَالتَّنَازُعُ!!




  فعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ كَمَا وَرْدٌ فِي صَحِيحٌ البُخَارِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ:




    أَنَّ النَّبِيَّ خَرَجَ لِيُخْبِرَنَا بِلَيْلَةِ القَدْرِ، فَتَلاحَى رَجُلانِ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَقَالَ: 


 «إِنِّي خَرَجْتُ لأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ القَدْرِ، فَتَلاحَى فُلانٌ وَفُلانٌ، فَرُفِعَتْ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ، فَالتَمِسُوهَا فِي التِّسْعِ وَالسَّبْعِ وَالخَمْسِ»، فَالتَّنَازُعُ وَالتَّشَاجُرُ سَبَبٌ فِي رَفْعِ البَرَكَةِ، وَفِي رَفْعِ الخَيْرِ الَّذِي يَحْدُثُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ.




   الجَمِيلُ فِي هَذَا الحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ بَابِيٌّ وَأُمَّي هُوَ صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، صَاحِبُ الرُّوحِ الَّتِي اِمْتَلَأَتْ تَعَلُّقًا بِاللّهِ، وَشَوْقًا إِلَيْهِ، وَمَحَبَّةً لَهُ، صَاحِبُ العَقْلِ الأرشد فِي هَذَا الوُجُودِ، المُصَدَّقِ بِالوَحْيِ مِنْ رَبِّ السَّمَاوَاتِ، الَّذِي أَرْسَلَهُ رَحْمَةُ لِلعَّالَمِينَ، فَكَانَ رَحِيمًا بالمخطئ وَالمُسِيءُ، وَالمُخَالِفُ فُضَلًا عَنْ المُوَافِقِ؛ يُصَحِّحُ الخَطَأَ مَعَ الحِفَاظِ عَلَى إِنْسَانِيَّةٍ المُخْطِئَ وآدميته، يُعَلِّمُنَا الإِيجَابِيَّةَ، اِسْتَدْرَكَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعَلَّقًا عَلَى مُشْكِلَةِ الخِلَافِ الَّذِي تُسُبِّبَ بِتَضْيِيعِ فُرْصَةِ تَحْدِيدٍ لَيْلِيَّةٌ فَقَالَ:



 «وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ، فَالتَمِسُوهَا فِي التِّسْعِ وَالسَّبْعِ وَالخَمْسِ».



  هَذَا المَنْهَجُ النَّبَوِيُّ الأَكْمَلُ فِي تَشْخِيصِ الخَطَأِ وَعَدَمُ الوُقُوفِ عِنْدَهِ، بَلْ يَجِبُ تَجَاوُزُهُ لِتَقْدِيمِ الحُلُولِ الإِيجَابِيَّةِ، نَفْهَمُ مِنْهُ لَا يَعْنِي تَشْخِيصُ الخَطَأِ وَالتَّحْذِيرُ مَنُّهُ أَنْ نَبْقَى نَجْلِدُ بِذَوَاتِنَا، وَنَسْتَمِرُّ بِالتَّأْنِيبِ، وَاللَّوْمُ وَإِلْقَاءُ آلَتُهُمْ، وَنَعِيشُ حَالَةَ الاِنْهِزَامِ الدَّاخِلِيُّ أَمَامَ المُشْكِلَةِ؛ بَلْ يَجِبُ تَجَاوُزُهَا لِلعَمَلِ الجَادِّ المُثْمِرِ الطَّمُوحِ وَنُؤْمِنُ مَعَ وُجُودِ كُلِّ مُشْكِلَةٍ هُنَاكَ حَلَأً أَفْضَلَ.



 وَفَّقَنَا اللهُ وأياكم لِقِيَامِ لَيْلَةِ القَدْرِ، وَكَتَبْنَا اللهَ وأياكم وَسَائِرٌ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ العتقاء فِي هَذَا الشَّهْرِ المُبَارَكِ.




كَمَالُ الدوسري

 22 رَمَضَانِ 1438 هـــ

 17 يُونِيُو 2017 م

 


الايادي العليا