الوظيفة عبودية القرن العشرين .. مقالة مهمة جداً قد تغير حياتك

 

د. سعيد بن على العضاضي

 

 

ذكرت في مقالين متتاليين سعى الإنسان الحثيث نحو التخلص من العبودية، وما إن يظن أنه قضى عليها حتى تظهر له في شكل جديد وثوب جديد؛ فرغم محاربة البشر العبودية منذ الأزل إلا أنهم لم ينجحوا في التخلص منها وما زال الإنسان عبدا يمارس عليه الرق، فيرغم على أداء مهام تفوق طاقته ويستغل من كل جانب ويقيد بالأغلال ويحاصر من كل مكان. ففي المقال الأول بينت كيف تغير شكل العبودية عبر التاريخ، وكيف تحول الإنسان من سلعة تباع وتشترى في الأسواق إلى ما يسمى عبيد الأرض في عصر الإقطاع ثم إلى عبيد الوظيفة في عصر الرأسمالية.

 

وفي مقال الأسبوع الماضي بينت وجهة نظري:


كيف أصبحت الوظيفة مظهرا من مظاهر العبودية ؟!

وكيف أنها تستنزف من الفرد أثمن وقته وتسلب منه كل طاقته ثم ترمي له بالفتات على هيئة مرتب زهيد لا يعادل معشار ما يبذله من جهد ونصب ووقت منذ خروجه من منزله عندما تكون الطير في وكناتها حتى يعود إلى أهله وقد قاربت الشمس على أفولها ؟!

 

نرى الموظف كيف يكافح، وينافح، ويغدو، ويروح، ويعمل ثم يعمل من أجل أن يأكل ويشرب ويقتني بعض حاجياته ولا يتعدى ذلك، وهذه هي: العبودية في أبشع صورها !

 

وفي هذا المقال أريد أن أخطو خطوة إلى الأمام وأبين بعض جوانب العبودية التي أراها في عصر الرأسمالية وكيف يحاصر الموظف في معايشه، ويضيق عليه في موارده، ويستنزف أجره الذي يكد من أجله، فممارسة العبودية لم تقتصر على الفرد (الموظف) داخل بيئة العمل -كما سبق وبينا في مقال الأسبوع الماضي، بل تعدته إلى خارج أسوار منظمته.

 

 فمثلا يطلق على الموظف عندما ينوي أن يشتري ما يحتاج إليه من الأسواق لسد حاجاته بـ ''المستهلك''، وهذه الكلمة القبيحة تعني أن مهمة الفرد الأساسية في حركة البيع والشراء لا تتعدى الاستهلاك ليس إلا.

 

فهل عجز فكر الأعمال والمال والتسويق من إيجاد كلمة مرادفة لكلمة ''مستهلك'' تليق بالفرد الذي يقوم بشراء سلعة ما؟

 

فلماذا لا يطلق عليه مشتريا على سبيل المثال، أو مستثمرا صغيرا، أو فردا، أو متسوقا أو غيرها من المرادفات التي نستطيع أن نطلقها على من يقوم بالشراء من الأفراد غير كلمة ''مستهلك''؟

 

 ويبدو أن الشركات تسعى إلى وصف الفرد بـ ''المستهلك'' حتى تترسخ في ذهنه أنه لا يجيد من أمور البيع والشراء سوى الاستهلاك!

وهذا يعني أنه يظل يعمل من أجل الاستهلاك، والاستهلاك يعني تبديد الأموال، ومزيد من الاستهلاك يعني مزيدا من الشراء الذي يصب بدوره في مصلحة أرباب الأموال ''نبلاء الرأسمالية''.

 

ولم يبق الأمر عند الأسماء، بل تعداه إلى أبعد من ذلك فلا يقبض الموظف أجره نقدا يدا بيد، بل يرغم على فتح حساب في أحد البنوك حتى تحول مستحقاته المالية من مرتبات وعلاوات ومكافآت ونحوها إلى البنك ليس من أجل حفظها من الضياع وليس من أجل تنظيم الشؤون المالية في منظمات الدولة وقطاع الأعمال، بل لإعادة استثمارها من قبل أرباب الأموال، وهنا تبدأ لعبة السيد والعبد.

 

فمن خلال إيداع رواتب الموظفين في البنوك تعرف البنوك دخول الناس فتفصل برامج تمويلية تناسب السواد الأعظم منهم بفوائد تتحكم هي فيها ثم تعرض على الموظف قرضا يعادل أضعاف دخله فيسيل لها لعابه دون أن يدرك الموظف المسكين ''العبد'' ما وراء الأكمة، فيظل يكافح من أجل سداد القرض بتكاليفه العالية ويظل يعمل من أجل سداد الديون حتى يقترب من التقاعد عندها يرى نفسه فقيرا معدما مجردا حتى من الملكية الخاصة سمة الرأسمالية.

 

وبعد أن تأخذ البنوك نصيبها منه يأتي دور الشركات والمصانع التي تعرف بالضبط ما يريده الفرد وما يشتهيه قبل إنتاج السلع والخدمات، فتعرض عليه سلعا جديدة بعبوة فاخرة بسعر يراه زهيدا، لأن الشركات تعرض عليه القسط الذي يتعين عليه دفعه دون أن تظهر له السعر الحقيقي للسلعة، الذي يعادل أجر الموظف لشهور.

 

ولم يبق الوضع مقتصرا على الضروريات، بل تعداه إلى الكماليات، فيمكنه أن يبتاع تذكرة سفر وحزمة من البرامج السياحية يطوف بها أطوال العالم وعرضه هدفها الظاهر الاستجمام والترفيه يعود بعدها مهموما، مديونا، ذليلا فقد تجمعت الذئاب على ''خراشِ'' فما يدري ''خراشُ'' ما يصيد؟

 

فهل يواجه فوائد القرض؟

 

أم أقساط السيارة؟

 

أم دفعات الرحلة السياحية؟

 

أم متطلبات المدارس لأبنائه وبناته؟

 

وزاد الأمر تعقيدا في مجتمعاتنا الإسلامية عندما دخل الفكر الإسلامي في التعاملات المالية، وكأن الهدف تنفيذ بنود الرأسمالية.

 

فقد كنا بعيدين إلى حد ما عما يدور في بؤرة الرأسمالية المطلقة واستعبادها البشر في الشرق والغرب حتى تم تكييف بعض التعاملات الرأسمالية وتعاملات البنوك الربوية بما يتناسب والشريعة الإسلامية فأصبح الموظف في مجتمعنا أسوأ حظا من غيره وأصبحت البنوك تذبحه كما ذبحت غيره من الموظفين في الاقتصاديات الأخرى إلا أن الذبح عندنا وفقا لأحكام الشريعة الإسلامية.

 

وهذا غيض من فيض يجعلنا ندرك أن الإنسان ما زال عبدا وإن اختلفت الأسماء والأوزان وأن هناك بالفعل مؤامرات ضد الفرد ''الموظف المسكين'' هدفها الرئيس أن يبقى فقيرا معدما يتسول عيشه من الوظيفة فعندما يتحرر البشر من الوظيفة ''العبودية'' يرى المنتفعون من تركيبة السيد والعبد أن مصالحهم تتعرض للتهديد.

 

لذا لو افترضنا وأدرك الموظفون أنهم عبيد في الشركات والقطاعات، وثار الناس على قانون العمل والعمال فلن يتوانى نبلاء الرأسمالية من إيجاد طريقة جديدة لاستعباد الناس وسيسعون جاهدين إلى منهج جديد، ليبقى الإنسان عبدا كما كان عبدا بالتملك في عصر العبودية وعبدا للأرض في عصر الإقطاع وعبدا للوظيفة في عصر الرأسمالية.

 


الايادي العليا