مشروع تطبيق أحكام فقه البيوع

بقلم : كمال مرزوق الدوسري 

من الجوانبِ المهمةِ والتي تشكُّلُ هاجسًا مهمًا لدى كثيرٍ من التجارِ والمستثمرينَ المسلمين هو موافقة الشرع في تجاراتهم ومكاسبهم، فالتجارة اليوم أصبحَت أكبرَ من مفهومٍ ترويجِ للبضائعِ الماديةِ المحدودة فقطْ وبأسواق وأماكن محصورة؛ بل أصبح تسويقُ أيِّ منتجٍ اليوم سواءٌ كانَ بضاعةً ماديةً، أو قضيةً تعليميةً فكريةً، أو اقتصاديةً سياسيةً، واسعاً جداً، فالنقلةُ الحضاريةُ والانفتاحُ الكبيرُ في وسائلِ الاتصالِ كسرَ كلَّ القيودِ وتجاوزَ جميعَ الحدودِ، فتجدُ أشخاصًا في أقصى الشرق أصدقاءً لأشخاصٍ في أقصى الغربِ، وبسبِ هذه التحولاتِ؛ تحولَ نظامُ اقتصادِ السوقِ بكلِّ قوةٍ إلى تحريرِ التجارةِ الخارجيةِ،  أدَّى إلى تزايدِ الصراعِ على الأسواقِ والتعامل مع مختلف العملاءِ والأسواق.

 ثم ظهور الميزاتِ التنافسيةِ وتنامي ظاهرةِ العولمةِ الاقتصاديةِ مع بروزِ التكتلاتِ الاقتصاديةِ الغربية، ومع التطورُ الهائلُ للتكنولوجيا في كلِّ المجالاتِ، وخصوصاً ثورةَ الاتصالاتِ والمعلوماتيةِ؛ كل ذلك وضعَ التجار والمستثمرين المسلمين أمامَ مواجهةٍ شرسةٍ، تفرضُ السعيَ الجادَّ للتكيفِ لمواجهةِ هذا النشاطِ التسويقيِّ الذي يهدفُ إلى كسبِ رضا العميلِ وربحِ ولائِه الدائمِ بتشكيلِ مزيجٍ تسويقيٍّ يلبي حاجاتِ العملاءِ الحاليينَ ورغباتِهم المعلنةَ والضمنيةَ،ـ وبالتالي الحفاظُ عليهم واكتسابُ عملاءَ جددٍ وبمفاهيم تختلف احياناً مع طبيعة مجتمعاتنا .

لذلكَ لم تنجحُ الكثيرُ من الشركاتِ الأجنبية في تحقيقِ رضا عملائِها كونَ قراراتِ وبرامجِ هذه الشركات لا تلبي حاجاتِ العملاءِ ورغباتِهم المعلنةَ والضمنيةَ والتي تتعلقُ بقيمِ المجتمعِ المسلمِ، فهي لم تراعِ جوانبَ الخصوصيةِ الاسلاميةِ لمجتمعاتِنا.

وفي ظلِّ هذا التوجهِ العامِّ والرغبةِ الحقيقيةِ لتطبيقِ أحكام البيوع في الفقه الإسلامي وظهور مسمى "مستشار شرعي" في بعض البنوك الإسلامية والشركات ، وكذلك للنجاح الهائل والكبير الذي حققه " برنامج حلال الماليزي "؛ اقترح وجود برنامج "جودة في أحكامِ البيوعِ الإسلامية " يلبي حاجةَ السوقِ ويصحح مسار الشركات وفق أحكام البيوع الإسلامية ويعززُ قدراتِها التنافسيةَ ببرامجِ جودةٍ أصيلةٍ تراعاه مؤسساتٌ شرعيةٌ أكاديميةٌ ذاتَ قيمةٍ اعتباريةٍ في المجتمعِ، وبالوقتِ نفسهِ بعدَ إجراءِ دراساتٍ متخصصةٍ يمكنُ استثمارُ هذه الشهادةِ لدعمِ الأنشطةِ التعليميةِ الدعويةِ، ممَّا يعودُ بالنفعِ العامِّ على دولِنا ومجتمعاتِنا .

ويمكننا تجديدُ وسائلِ تطبيقِ أحكامِ البيوعِ الإسلاميةِ من خلالِ النظمِ المعاصرةِ كبرامج الجودةِ مع الاحتفاظِ بخصائصِ الجودةِ الإسلاميةِ، لا التنازلِ عنها واستبدالِها بأحكامٍ جديدةٍ كما يفعلُ كثيرٌ من دعاةِ التجديدِ؛ بلِ المقصودُ الريادةُ وأضافةُ ما هو أفضلُ للحضارةِ الإنسانيةِ كما يعتقدُ أهلُ الإسلامِ.

 فعلى سبيل المثال استخدامُ المفرداتِ التجاريةِ الشائعةِ لا المصطلحاتِ الفقهيةِ الأكاديمية، فالمصطلحاتُ الفقهيةُ في البيوعِ مهمةٌ جداً بلا شكٍّ لطالبِ العلمِ، لكنْ لعامةِ الناسِ ممنْ يعملونَ بالتجارةِ ويحتاجونَ لأحكامِ البيوعِ ليسَ مهماً عندَهم المصطلحُ العلميُّ، بلِ الحكمُ الشرعيُّ المرتبطُ عملياً بالواقعةِ مهما كانَ لفظُه هو المهمُّ بالنسبةِ له؛ لذا قالَ عليٌّ رضيَ اللهُ عنهُ : «حدثوا الناسَ بما يعرفونَ، أتحبونَ أنْ يكذبَ اللهُ ورسولُه »(1) فيجبُ مراعاةُ أحوالِ الناسِ ولغةِ عصرِهم وعاداتِهم، ومنَ العاداتِ والأعرافِ في العصرِ الحاضرِ أنْ تنتظمَ الأمورُ ضمنَ برامجَ مؤسسيةٍ وشهاداتٍ دوليةٍ لتكونَ معترفاً بها وذاتَ تأثيرٍ حضاريٍّ واجتماعيٍّ واسعٍ ومقبولٍ.
فلا زال يواجهُ العالمُ الإسلاميُّ اليومَ بشكلٍ خاصٍّ تحدياتٍ متزايدةً ومتسارعةً نتيجةَ التطوراتِ السريعةِ في شتى الميادينِ وعلى وجهِ الخصوصِ الميدانُ العلميُّ وتكنولوجيا المعلوماتِ، وقد سيطرَ هذا التقدمُ العلميُّ والتقنيُّ في تكنولوجيا المعلوماتِ على كلِّ مفاصلِ الإدارةِ، فأيُّ إدارةٍ اليومَ لا تتعامل مع توظيفِ تكنولوجيا المعلوماتِ فستجدُ نفسَها خارجَ أيِّ منافسةٍ تجاريةٍ أو رياديةٍ، فما طرأَ على مفهومِ الإدارةِ اليومَ من عملياتِ الأتمتةِ(2) ساهمَ بشكلٍ كبيرٍ في زيادةِ الانتاجِ وتقليلِ التكاليفِ، ورفعِ مستوى الكفاءةِ والدقةِ ، وعلى هذا الأساسِ -للحصولِ على نتائجَ بمستوى التحدياتِ المعاصرةِ- يجبُ التوجهُ الفوريُّ إلى أتمتةِ جميعِ برامجِ أحكام البيوع بقدرِ الإمكانِ للوصولِ إلى أفضلِ النتائجِ، فدخولُ مثلِ هذهِ التطبيقاتِ والبرامجِ الإلكترونيةِ في تطبيقِ بعضِ الأحكامِ الشرعيةِ لم يعدْ نوعاً منَ الكمالياتِ والترفِ، بلْ أصبحَ ضرورةً ملحةً كبرامجَ وتطبيقاتِ معرفةِ الزكاةِ ومواعيدِ الصلاةِ في الدولِ التي تتباعدُ فيها المساجدُ، فلا يسمعُ صوتُ أذانٍ.
ومنَ الأشياءِ التي يمكنُ أنْ تذكرَ على سبيلِ المثالِ كمشروعٍ لتطبيقاتِ برامجِ الجودةِ الإسلاميةِ في أحكامِ البيوعِ هو : استحداثُ تطبيقٍ يقومُ بوقفِ أيِّ عمليةٍ شرائيةٍ بحسبِ عنوانِ (الأيبي ) المعرفِ المستضيفِ لخطِ شبكةِ التواصلِ الإلكترونيِّ في وقتِ صلاةِ الجمعةِ، فرمزُ المعرفِ المستضيفِ لشبكةِ التواصلِ الإلكترونِّي يحددُ دولةَ المستخدمِ وموقعَه الجغرافيَّ فبالتالي يسهلُ تحديد وقتِ دخولِ صلاةِ الجمعةِ فيتمُّ وقفُ أيِّ تعاملٍ ماليٍّ غيرَ آليٍّ في هذا الوقتِ، لأنَّ المقصودَ هو عدمُ الانشغالِ بالبيعِ والشراءِ عن صلاةِ الجمعةِ، وهكذا في عدةِ مجالاتٍ أخرى، يمكنُ استثمارُ التقنيةِ وتوظيفُها في تطبيقِ الجودةِ، ومنه أيضاً؛ فتحُ مساحةٍ حرةٍ لمشاركةِ الجمهورِ في موقعِ شهادةِ الجودةِ في أحكامِ البيوعِ، الهدفُ منها تزويدُ المؤسسةِ بأيِّ معلوماتٍ تؤكدُ عدمَ التزامِ مؤسسةٍ أو شركةٍ ما بمعاييرِ شهادةِ أحكامِ البيوعِ رغمَ ادعائها أنَّها حاصلةٌ عليها، أو ترغبُ بالحصولِ عليها، وبذلكَ نرفعُ مستوى الرقابةِ الشعبيةِ بما يرضي اللهَ ولنصرةِ دينِ اللهِ . 

«فالأحكامُ الشرعيةُ الاجتهاديةُ تنظمُ ما أوجبَه الشرعُ الذي يهدفُ إلى إقامةِ العدلِ وجلبِ المصالحِ ودرءِ المفاسدِ، فهي ذاتُ ارتباطٍ وثيقٍ بالأوضاعِ والوسائلِ الزمنيةِ، فكمْ منْ حكمٍ كانَ تدبيراً نافعاً لبيئةٍ في زمنٍ معينٍ، فأصبحَ بعدَ جيلٍ أو أجيالٍ لا يوصلُ إلى المقصودِ منه، أو يفضي إلى عكسِه، وعلى هذا أفتى كثيرٌ من الفقهاءِ في شتى المذاهبِ الفقهيةِ في كثيرٍ من المسائلِ بعكسِ ما أفتى به أئمةُ مذاهبِهم الأولونَ»(3).

 وقدْ تختلفُ الأحكامُ في إنكارِ المنكرِ والأمرِ بالمعروفِ بحسبِ ما يترتبُ عليه من مصالحَ أو مفاسدَ في المستقبلِ، فالحكمُ الشرعيُّ ينظرُ إلى الواقعِ والمستقبلِ في إعمالِه وتطبيقهِ، لا إلى الماضي، ويقتصرُ دورُ الماضي فيه إلى فهمِ سياقِ الدلالةِ النصيةِ بتطبيقٍ واقعيٍّ غيرَ مختلفٍ فيه بين السلفِ في القرونِ الثلاثةِ المفضلةِ، أمَّا كيفَ نطبقُ الحكمَ الشرعيَّ بالوسائلِ الحديثةِ الآنَ بدونِ الإخلالِ بالمقاصدِ الشرعيةِ والدلالةِ القطعيةِ للنصوصِ ؟ 

فهذا ما يحتاجُ منا فهمَ الواقعِ ومآلاتِ الأمورِ بالمستقبلِ ..  

 

كلي أمل بانتظار من يمد يد العون لتأسيس مثل هذا المشروع الضخم ورعايته .

كتبه : كمال مرزوق الدوسري  

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) رواه البخاري، كتاب العلم ، باب من خص بالعلم قوماً دون قوم كراهية أن لا يفهموا، رقم الحديث 127ج1ص37.
(2) الأتمتة أو المكننة أو التشغيل الآلي (بالإنجليزية: Automation): هو مصطلح مستحدث يطلق على كل شيء يعمل ذاتيا بدون تدخل بشري، فيمكن تسمية الصناعة الآلية بالأتمتة الصناعية مثلا. وهي تعني حتى في أتمتة الأعمال الإدارية، وأتمتة البث التلفزيوني. 
وهي عملية تهدف إلى جعل المعامل أكثر اعتمادا على الالآت بدلا من الإنسان، تعتبر كنوع من أنواع الروبوت لكنها ما زالت بحاجة إلى الإنسان لتكملة عملها. 
تهدف الأتمتة إلى زيادة الإنتاج حيث تستطيع الآلة العمل بسرعة ودقة أكبر من الإنسان ووقت أقل بمئات المرات، ففي السابق برغم وجود الآلات لكنها كانت تحتاج إلى وقت طويل للإنتاج، وكذلك الإنتاج لم يكن بالدقة المطلوبة على يد الإنسان .
(ويكيبيديا الموسوعة الحرة ، (11:26م ، 2013-03-28) ، مادة : أتمته).
 http://ar.wikipedia.org/wiki/
(3) الزحيلي، محمد مصطفى، القواعد الفقهية وتطبيقاتها في المذاهب الأربعة ، ج1 ص 353، دار الفكر – دمشق، ط1 1427هـ- 2006م.
 


الايادي العليا