كيف تصنع استراتيجية نجاح مالي مطابق للشرع؟

    كمال مرزوق الدوسري 

 

من أهداف مشروع "الأيادي العليا" هو أن يكون استراتيجية اسلامية لتعلم قواعد الثراء، نحن نأخذ بقوانين النجاح التي يتكلم بها الأثرياء بشكل عام؛ لكن ضمن معايير وأحكام التعاملات المالية الشرعية؛ لذلك يجب أن يتعلم التاجر المسلم من الأحكام الشرعية ما يحتاجه في تعاملاته المالية، وتوجد له الأليات والضوابط من خلال استشارات أو تطبيقات أو أنظمة تجعل جميع مخرجات أعماله موافقة للشرع  بقدر الإمكان.


   ومن المهم أيضاً التأكيد على أهمية نشر الوعي الفقهي الشرعي الصحيح في التعاملات المالية، والذي سوف يدحض كثير من المفاهيم المغلوطة من الناحية الشرعية عن المال، فمن الاسقاطات الشرعية الخاطئة المنتشرة عن المال:


-بما أن المال فتنة هذه الأمة فالابتعاد عنه غنيمة: الدليل قال النبي صلى الله عليه وسلم "إن لكلِّ أمةٍ فتنةً، وإن فتنةَ أمتي المالُ" !


الجواب على هذا الحديث من عدة وجوه:


الوجه الأول: المقصود بالفتنة هنا هو عدم استخدام المال على الوجه المطلوب شرعاً؛ وهذا بالفعل وقع ويقع من الأمة، ونسأل الله الثبات والنجاة من هذه الفتنة؛ وهو بنفس الوقت توجيه نبوي لكثرة الاهتمام بالتوجيه المالي الشرعي الصحيح حتى لا نقع بهذا الفتنة، وأرجو أن تكون هذه الصفحات التي سطرتها من نشر مفهوم الأيادي العليا يصب في هذا الباب؛ موافقةً لهذا الحديث.


الوجه الثاني: ليس كل ما يقال عنه فتنة ويحذر منه؛ هو سيء بمجمله وبالتالي لا يتعامل معه بالكلية وفي كل وجه، ولا حتى على الوجه الذي أمر به الشرع بنصوص أخرى؛ فقد ورد حديث بالتحذير من فتنة النساء بعبارة أشد من الحديث المتقدم، فهل يترك النساء، وهل كل النساء شر وفتنة؟!


   بالتأكيد لا؛ والأمر له تفصيل وليس هذا محله؛ والحديث هو قوله صلى الله عليه وسلم: "ما تَركتُ بَعدي فِتنَةً أضرَّ على الرجالِ منَ النساءِ"  واضح في أن فتنة النساء أكبر من فتنة المال؛ لكن على كل الحال فالأمر لا يقع أو يشمل فهموم الثراء على نمط التفضيل النبوي لأصحاب الأيادي العليا؛ وهذا هو:


الوجه الثالث: العمل بالتجارة، والعمل بالأسواق وفق مفهوم الأيادي العليا للحصول الثروة، لا يقع ضمن مفهوم الفتنة الوارد بالحديث لوجود النصوص الداعمة الشرعية لمفهوم الأيادي العليا؛ والمقصود بها قطعاً من يسعى لجمع المال بدون ضوابط الشرع.

الوجه الرابع: ما يُذكر للتحذير منه، لا يلزم منه أنه في أصله مذموم، بل قد يكون مشروع ومطلوب، لكنه أتى على وجهٍ أو فعل يُذَمُّ به من جهة الفاعل لا جنس الفعل، مثاله قوله صلى الله عليه وسلم في العالم والمجاهد والجوَاد!


   قال صلى الله عليه وسلم: " إنَّ اللهَ إذا كان يومُ القيامةِ ينزلُ إلى العبادِ لِيقضيَ بينهم، وكلُّ أمةٍ جاثيةٌ، فأولُ مَن يدعو به رجلٌ جمع القرآنَ، ورجلٌ قُتِلَ في سبيل اللهِ، ورجلٌ كثيرُ المالِ، فيقولُ اللهُ للقارئ: ألم أُعلِّمْك ما أَنزلتُ على رسولي قال: بلى يا ربِّ قال: فماذا عمِلتَ فيما علمتَ؟ قال: كنتُ أقوم به آناءَ الليلِ وآناءَ النهارِ، فيقولُ اللهُ له: كذَبْتَ، وتقول له الملائكةُ: كذَبْتَ، ويقول اللهُ له: بل أردتَ أن يقال فلانٌ قارئ فقد قيل ذلك. 
   ويُؤتَى بصاحبِ المالِ فيقولُ اللهُ له: ألم أُوَسِّعْ عليك حتى لم أَدَعَكَ تحتاجُ إلى أحدٍ؟ قال: بلى يا ربِّ، قال: فماذا عملْتَ فيما آتيتُك؟ قال: كنتُ أَصِلُ الرَّحِمَ وأتصدَّقُ، فيقولُ اللهُ له: كذَبْتَ، وتقولُ الملائكةُ: كذَبْتَ، ويقول اللهُ: بل أردتَ أن يُقال: فلانٌ جوَادٌ، فقد قيل ذلك.
    ويُؤتَى بالذي قُتِلَ في سبيل اللهِ فيقولُ اللهُ: في ماذا قُتِلْتَ؟ فيقول: أَمرْتَ بالجهادِ في سبيلِك فقاتلتُ حتى قُتِلْتُ، فيقولُ اللهُ له: كذَبْتَ، وتقولُ الملائكةُ: كذَبْتَ، ويقولُ اللهُ: بل أردتَ أن يقالَ فلانٌ جريءٌ، فقد قيل ذلك. 

يا أبا هريرةَ أولئك الثلاثةُ أولُ خَلْقِ اللهِ تُسَعَّرُ بهم النَّارُ يومَ القيامةِ" .


    انظر كيف تحول أصحاب هذه الأعمال التي يحض عليها الشرع بهذا النص من كونه مأمور به شرعاً إلى من أول من تُسعر بهم النار يوم القيامة لسوء قصدهم لا لقبح فعلهم؟!


   وخلاصة الأمر: إن المال يُحذر منه ومن فتنته؛ لأهميته وخطورته لشدة تأثيره؛ لذا يجب لوقف شره أن يحول المصلحون بينه، وبين أهل الفجور والفساد، وتوجه هذه القوة بالتأثير بالشكل الصحيح، كما فعل الجيل الأول من تجار الصحابة رضى الله عنهم وأرضاهم.


- الغنى هو غنى القلب، وليس بجمع الأموال والعمل بالتجارة والأسواق!


قال صلى الله عليه وسلم: "ليس الغنَى عن كثرةِ العرَضِ، ولكنَّ الغنَى غنَى النَّفسِ" 
وللجواب عليه هناك عدة وجوه منها:


الوجه الأول: إن الغنى واجب ايماني وديني، ويجب تهيئة عقولنا وأنفسنا على تقبله داخلياً؛ فكأنه صلوات الله وسلامه عليه يقول: إن الغنى ليس بالأثر الخارجي؛ بل الغنى في النفس عندما يقع للإنسان وإن كان لا يملك مالاً يكون غنياً بعقله الباطن الموجه، فلا يتعلق قلبه بما في ايدي الناس من مال، ولعل الله قد رزقه من غنى النفس الداخلي وهو مخطط مالي صحيح داعم للثراء، من النعم ما هو أعظم من نعمة المال؛ كنعمة الإسلام، والعلم، ﻭﺍﻟﻌﺎﻓﻴﺔ، ﻭﺍﻟﺴﻼﻣﺔ، ﻭالأﻣﻦ ﻭﺍﻟﺴﻌﺎﺩﺓ ﺑﺎﻟﻄﺎﻋﺔ، ﻛﻞ هذه تفوق ﻧﻌﻤﺔ ﺍﻟﻤﺎﻝ.


 الوجه الثاني: لا يمكن لصاحب اليد العليا أن يكون كذلك، وهو لا يمتلك صفة غنى النفس.


الوجه الثالث: هذا الحديث يوضح أهمية تأثير الباطن على عمل الخارج من الجوارح؛ وغنى النفس مطلوب أصالةً من كل مسلم، وصاحب اليد العليا منهم بلا شك، فهو مأمورٌ به؛ ولا يتعارض مع أهمية أن يكون المرء غنياً بالمال؛ ولكن يبين أهمية الأثر الداخلي من حيث أن يكون المرء غنياً بذاته، لا بما يمتلكه من مال؛ وهذا ما سوف يعينه أيضاً على جمع المال كقوة داعمه للمخطط الداخلي الذي يفضل جنس الغنى ويدعو إليه.


 ويتضح مما تقدم أنه لا تعارض بين هذا الحديث وبين مفهوم أصحاب الأيادي العليا  الذي يدعو لأي يكون المسلم عزيز النفس بكفايته لنفسه، ومن يعول، وأن يكون كريم النفس بعطائه ومشاركته للأخرين، فغنى النفس دليل العزة والاستغناء عما في ايدي المخلوقين.

 


الايادي العليا